سعيد أيوب

42

معالم الفتن

لقومه ( أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) ( 1 ) . قال المفسرون : أي إذا كنت على بينة من ربي ، على يقين ونبوة صادقة ، وخفيت عليكم فلم تهدوا إليها ولا عرفتم قدرها بل بادرتم إلى تكذيبها وردها ( أنلزمكموها ) أي : أنغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون ( 2 ) . وقال في الميزان : معناه عندي ما يحتاج إليه رسول الله في رسالته ، وقد أوقفتكم عليه ، لكنكم لا تؤمنون به طغيانا واستكبارا ، وليس علي أن أجبركم عليها ، إذ لا إجبار في دين الله سبحانه . والآية من جملة الآيات النافية للإكراه في الدين ، وتدل على أن ذلك من الأحكام الدينية المشرعة في أقدم الشرائع ، وهي شريعة نوح عليه السلام . وهذا الحكم باق على اعتباره حتى اليوم من غير نسخ ( 3 ) . كان هذا في شريعة صدر البشرية الأول ، وفي عصر الرسالة الخاتمة . قال تعالى : ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ( 4 ) . قال المفسرون : نفي الدين الإجباري . . فالاعتقاد والإيمان من الأمور القلبية التي لا يحكم فيها الاكراه والإجبار . فإن الاكراه إنما يؤثر في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية ، أما الاعتقاد القلبي فله علل وأسباب أخرى قلبية ( 5 ) . فالدعوة تقف على أرضية لا إكراه في الدين ، والداعية يقف على أرضية الخلق العظيم ، قال تعالى لرسوله ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ( 6 ) ومحاورة صاحب الخلق العظيم لخصومه تشع بالحكمة والموعظة الحسنة قال تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) ( 7 ) .

--> ( 1 ) سورة هود : الآية 28 . ( 2 ) تفسير ابن كثير 43 \ 2 . ( 3 ) الميزان 207 \ 10 . ( 4 ) سورة البقرة : الآية 256 . ( 5 ) الميزان : 345 \ 2 . ( 6 ) سورة القلم : الآية 4 . ( 7 ) سورة النحل : الآية 125 .